الوظيفة الشاغرة هي العرض الأخير للمشكلة

معظم المؤسسات لا تعاني من مشكلة في التوظيف، بل من مشكلة في ترتيب الأسئلة التي تطرحها.
فنحن نسأل: «كم عدد الموظفين الذين نحتاج إليهم؟» وهو سؤال مشروع، لكنه يُطرح في مرحلة متأخرة عمّا ينبغي.
أما السؤال الذي يجب أن نطرحه أولًا فهو: «ما القدرات والكفاءات التي نحتاج إليها لتنفيذ استراتيجيتنا؟»
إن شغور وظيفة ما هو حدث تشغيلي.

يُعد تخطيط القوى العاملة قرارًا استراتيجيًا. فبينما يركز التوظيف على شغل الوظيفة الشاغرة، ينظر التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة إلى مستقبل المؤسسة خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، ويطرح تساؤلات جوهرية: ما الأعمال التي ستظل قائمة؟ وما الأدوار الوظيفية التي ستتغير؟ وما المهارات التي قد لا تكون متاحة عندما تصبح الحاجة إليها ملحّة؟

ثلاثة آفاق زمنية، وثلاثة أسئلة مختلفة.

التخطيط قصير المدى للموارد البشرية يركز على الاحتياجات الفورية للمؤسسة، مثل تعويض موظف مستقيل، أو توفير الموارد اللازمة لمشروع جديد، أو افتتاح فرع جديد. أما التخطيط التشغيلي فيركز على متطلبات العام المقبل، بما يشمل الميزانية، ومعدلات دوران الموظفين المتوقعة، والوظائف التي ينبغي شغلها. في حين يركز التخطيط الاستراتيجي على تحديد القدرات والكفاءات التي ستحتاج إليها المؤسسة لتنفيذ استراتيجيتها وتحقيق أهدافها المستقبلية.

وجميع هذه المستويات الثلاثة ضرورية.

تكمن المخاطرة في البقاء بشكل دائم ضمن المستوى الأول. فالمؤسسة التي تعالج كل مشكلة فور ظهورها قد تبدو دائمة الانشغال، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها مستعدة للمستقبل.

عندما تبدأ بالتفكير في عدد الموظفين، يكون التوظيف هو الحل. أما عندما تبدأ بالتفكير في القدرات والكفاءات، فإنك تفتح المجال أمام خيارات متعددة.

شراء الخبرات من الخارج. تطوير الكفاءات داخليًا. إعادة توزيع الموظفين. الاستعانة بموارد خارجية. إعادة تصميم الأدوار والمهام. الأتمتة. تبسيط العمليات.

فالتوظيف ليس سوى أحد الخيارات المتاحة، وليس الحل الافتراضي لكل احتياج.

في بعض الأحيان، قد يطلب فريق عمل تعيين موظفين إضافيين اثنين حتى يتمكن من إعداد التقارير وتسليمها في المواعيد المحددة.

لكن التحليل يكشف أن هناك خمسة تقارير متشابهة إلى حد كبير، يُعاد إعدادها بشكل منفصل لصالح ثلاث إدارات مختلفة. وهنا لا تكمن المشكلة في نقص الموظفين، بل في أن المؤسسة تتحمل تكلفة إعادة إنتاج المعلومات نفسها بصيغ مختلفة.

تقع مسؤولية خطة القوى العاملة على عاتق قطاعات الأعمال، وليس إدارة الموارد البشرية وحدها. فالقيادة تحدد التوجه الاستراتيجي، والإدارة المالية تحدد الإمكانات والموارد المتاحة، والإدارات التشغيلية تدرك طبيعة العمل ومتطلباته، بينما تربط إدارة الموارد البشرية جميع هذه العناصر بالموظفين والمهارات والتكاليف والمخاطر.

والاختبار الحقيقي ليس: «هل لدينا خطة للقوى العاملة؟» بل: «هل أحدثت هذه الخطة تغييرًا في قراراتنا؟»

عندما تكون الأرقام صحيحة والخطة خاطئة

قدّم أحد المديرين طلبه لتعيين موظفين جدد بثقة تامة. فقد درس الأرقام بعناية، وحدد الأدوار الوظيفية المطلوبة، وحسب التكاليف، واقترح موعدًا لبدء العمل.

ثم طُرح عليه سؤال واحد: «أين سيعمل هؤلاء الموظفون فعليًا؟»

ساد الصمت.

كانت الوظائف المطلوبة تقع في منطقة يصعب فيها استقطاب أصحاب المهارات اللازمة. ولم تكن هناك خطة لتوفير السكن أو وسائل النقل، كما أن الرواتب المقترحة استندت إلى مقارنات مع سوق عمل مختلف.

كان العدد صحيحًا، والوظائف مطلوبة بالفعل، والميزانية متاحة. ومع ذلك، ظلت الخطة غير قابلة للتنفيذ.

وهنا يكمن الإخفاق الخفي في تخطيط القوى العاملة:

أن تنجح في تحديد أحد عناصر الخطة بشكل صحيح، فتفترض أن الخطة بأكملها صحيحة.

قد تحدد العدد المناسب من الموظفين، لكن دون توافر الكفاءات المطلوبة. وقد تتوافر الكفاءات المناسبة، ولكن في الموقع الجغرافي غير المناسب. وقد تجد الشخص المناسب، ولكن بعد انقضاء الحاجة إليه. وقد يكون التوقيت مناسبًا، لكن بتكلفة لا تستطيع المؤسسة تحملها على المدى الطويل.

ولهذا، يجب تقييم خطة القوى العاملة وفقًا لسبعة عناصر مترابطة، تتمحور جميعها حول القدرات والكفاءات (Capability):

  • الهيكل (Shape): التوازن المناسب بين القيادات والمتخصصين والمستويات الإدارية ونطاقات الإشراف.
  • الحجم (Size): تحديد عدد الموظفين بناءً على حجم العمل الفعلي، وليس استنادًا إلى الأعداد التاريخية.
  • الموقع (Location): اختيار موقع العمل باعتباره قرارًا مدروسًا، وليس مجرد معلومة موروثة في نموذج طلب التوظيف.
  • التوقيت (Time): توافر الكفاءات عند الحاجة إليها، وللمدة التي تتطلبها طبيعة العمل.
  • التكلفة (Cost): احتساب التكلفة الإجمالية للقرار، وليس الاكتفاء ببند الرواتب.
  • المخاطر (Risk): إبقاء مستوى المخاطر ضمن الحدود التي تستطيع المؤسسة استيعابها والتعامل معها.

كل حل لمشكلة ما ينقل الضغوط إلى جانب آخر.

قد تؤدي زيادة الرواتب لاستقطاب أصحاب المهارات النادرة إلى الإخلال بالعدالة الداخلية للأجور. وقد يؤدي نقل الوظائف إلى موقع أقل تكلفة إلى صعوبة الوصول إلى الكفاءات المطلوبة. أما تطبيق الأتمتة، فقد يخلق احتياجًا إلى قدرات ومهارات جديدة لإدارتها.

الحصول على أعلى مستويات المهارة، وأسرع عمليات التوظيف، وتوفير الكفاءات في أصعب المواقع، وبأقل تكلفة، ودون أي مخاطر؛ كل ذلك لا يمثل خطة واقعية، بل مجرد قائمة من الأمنيات.

الخطة الحقيقية تقوم على فهم القيود القائمة، ووضوح الافتراضات، واتخاذ قرارات مدروسة للموازنة بين الخيارات والتنازلات اللازمة.

البيانات هي نقطة انطلاق الخطة، لكنها لا ينبغي أن تقودها

«خطتنا واضحة: نريد التوسع».

اتفق الجميع على هذا التوجه، لكن سرعان ما بدأت التساؤلات.

فالإدارة المالية فهمت التوسع باعتباره زيادة في الإيرادات، وإدارة المبيعات رأته دخولًا إلى أسواق جديدة، بينما ركزت إدارة العمليات على زيادة الطاقة التشغيلية، ورأت إدارة تقنية المعلومات ضرورة تطبيق نظام جديد.

وفي النهاية، طُلب من إدارة الموارد البشرية ترجمة كل هذه التوجهات إلى رقم محدد لعدد الموظفين المطلوبين.

ولهذا، فإن المرحلة الأولى من تخطيط القوى العاملة لا تبدأ بالتنبؤ بالاحتياجات المستقبلية، بل ببناء خط أساس واضح يعكس الوضع الحالي للمؤسسة، وفهم موقعها الفعلي قبل تحديد الكفاءات والموارد البشرية اللازمة للانتقال إلى المرحلة التالية.

وخط الأساس ليس مجرد تقرير بأعداد الموظفين.

بل هو صورة شاملة للوضع الحالي للمؤسسة، تُدرس من خلال أربعة منظورات رئيسية: الاستراتيجية، ونموذج التشغيل، والعوامل الخارجية التي ستؤثر في طبيعة العمل مستقبلًا، والتقييم الواقعي لنقاط القوة والضعف الداخلية.

ثم تأتي مرحلة البيانات.

فإذا كانت البيانات غير كافية، أصبحت القرارات مبنية على الانطباعات والتقديرات الشخصية. أما الإفراط في جمع البيانات، فقد يؤدي إلى إنشاء لوحات معلومات جذابة بصريًا، لكنها لا تُحدث أي تغيير فعلي في القرارات.

وهنا تبرز أربعة أسئلة أساسية:

  • أين توجد البيانات؟ تمتلك إدارة الموارد البشرية بيانات أعداد الموظفين، وتعرف إدارة العمليات حجم العمل، بينما تمتلك الإدارة المالية بيانات التكاليف. فالبيانات بطبيعتها لا تتقيد بالحدود التنظيمية بين الإدارات.
  • ما مدى موثوقية البيانات؟ قد تتضمن البيانات مسميات وظيفية قديمة، أو تقييمات ذاتية مبالغًا فيها للمهارات، أو تسجيل جميع حالات مغادرة الموظفين تحت سبب واحد هو «أسباب شخصية».
  • ما مدى تكرار تحديث البيانات؟ إن التخطيط لخمس سنوات مقبلة بالاعتماد على بيانات قديمة يشبه قيادة السيارة بالنظر إلى المرآة الخلفية فقط.
  • أين توجد فجوات البيانات؟ لا تعني هذه الفجوات ضرورة إيقاف عملية التخطيط، بل يُعد تحديدها إحدى النتائج الأساسية لهذه المرحلة.

فالفجوات المعروفة يمكن إدارتها والتعامل معها.

أما اليقين الزائف، فقد يدخل قاعة الاجتماعات متخفيًا في هيئة رسم بياني يبدو مقنعًا.

وتذكر دائمًا أن الأرقام تخبرك بما حدث، بينما تكشف لك الحوارات والنقاشات عن أسباب حدوثه.

لا تنظر أبدًا إلى القوى العاملة باعتبارها كتلة واحدة.

فقد يخفي متوسط معدل دوران الموظفين البالغ 10% تباينًا كبيرًا بين الإدارات؛ إذ قد تتمتع إحدى الإدارات المساندة باستقرار وظيفي مرتفع، بينما يعاني أحد الأدوار التشغيلية الحيوية من تسارع ملحوظ في مغادرة الموظفين.

فالمتوسطات تخفي الفروقات، بينما يكشفها التحليل حسب الفئات والشرائح.

ثم يأتي السؤال الأكثر صعوبة: ما الوظائف التي تترك تأثيرًا غير متناسب مع حجمها عند شغورها؟

ليست بالضرورة الوظائف الأعلى في السلم الإداري، ولا تلك التي تحمل أطول المسميات الوظيفية.

فالوظيفة الحرجة هي التي يؤدي شغورها إلى أكبر تأثير سلبي على المؤسسة، ويستغرق إيجاد بديل مناسب لشاغلها أطول وقت.

وعندما يصر كل مدير على أن جميع الوظائف في إدارته حرجة، فإن المؤسسة لا تمتلك أولويات واضحة، بل مجرد قائمة من الوظائف.

عدد الموظفين يعكس لحظة زمنية، أما المعروض من القوى العاملة فهو توقع مستقبلي

لدى إحدى الإدارات عشرة موظفين، ويُظهر النظام العدد نفسه: عشرة موظفين. لكن الواقع المتوقع في المستقبل القريب يروي قصة مختلفة.

اثنان منهم يقتربان من سن التقاعد. وثلاثة يبحثون بهدوء عن فرص عمل أخرى. واثنان يتمتعان بأداء وظيفي جيد، لكن مهاراتهما أصبحت تبتعد تدريجيًا عن المتطلبات المستقبلية للمؤسسة.

وفي الوقت نفسه، لا يوجد سوى موظف واحد قادر على تولي إحدى الوظائف الحرجة إذا غادر شاغلها الحالي.

على الورق: عشرة موظفين. أما في الواقع: فالقدرات والكفاءات المتاحة أقل بكثير مما يوحي به هذا العدد.

ولهذا، فإن إدارة المعروض من القوى العاملة لا تطرح سؤالًا: «كم عدد الموظفين لدينا؟» بل تسأل: «ما القدرات والكفاءات التي ستظل متاحة عندما نحتاج إليها؟»

والفرق بين هذين السؤالين هو الفرق بين إدارة قائمة الرواتب وإدارة استمرارية الأعمال.

فمجرد إحصاء أعداد الموظفين لا يعني قياس المعروض الفعلي من القوى العاملة.

يوضح التحليل الكمي عدد الموظفين في كل وظيفة، وعدد من يُحتمل مغادرتهم للمؤسسة، وعدد من سيبلغون سن التقاعد.

أما التحليل النوعي، فيكشف عن القدرات والمهارات الفعلية للموظفين، ومن يمتلكون الاستعداد لتولي مسؤوليات وظيفية أكبر، وأين تتركز المعارف والخبرات التي يصعب تعويضها.

قد يبدو وجود خمسة عشر موظفًا ضمن عائلة وظيفية واحدة مؤشرًا مطمئنًا على توافر الموارد البشرية، إلى أن تكتشف أن ثلاثة منهم فقط يمتلكون المهارات التي تتطلبها الاستراتيجية الجديدة.

عندها، لا يكون المعروض الفعلي خمسة عشر موظفًا، بل ثلاثة فقط.

كما أن وجود الموظف لا يعني بالضرورة جاهزيته.

فإدراج اسم موظف ضمن خطة التعاقب الوظيفي لا يعني أنه أصبح مستعدًا لتولي المنصب المستهدف.

فالجاهزية تتطلب اكتساب الخبرات العملية، وتولي مهام ومسؤوليات فعلية، والتطوير المستمر، والتقييم الموضوعي والصريح للقدرات.

ولا تنتقل المعرفة بمجرد أن يشرح الخبير ما يعرفه، بل تنتقل عندما يمارس شخص آخر العمل بنفسه، ويرتكب الأخطاء، ويتلقى التوجيه، ثم يعيد المحاولة حتى يكتسب الخبرة اللازمة.

وخطة التعاقب الوظيفي التي يبدأ تنفيذها خلال الشهر الأخير قبل مغادرة الموظف ليست خطة حقيقية، بل مجرد إجراءات لتسليم المهام والمسؤوليات.

كذلك، فإن الاستقالة لا تبدأ عند تقديم خطاب الاستقالة.

بل قد تبدأ عندما يفقد الموظف القدرة على رؤية مستقبل مهني واضح داخل المؤسسة، أو عندما تصبح رواتبه أقل من مستويات الأجور السائدة في سوق العمل، أو عندما تتراجع ثقته في مديره المباشر.

أما خطاب الاستقالة، فهو مجرد توثيق رسمي لقرار اتُّخذ قبل ذلك بوقت طويل.

لا يتعلق أي مما سبق بالتشكيك في ولاء الموظفين أو التزامهم تجاه المؤسسة، بل يتعلق بإدارة المخاطر، وليس بالحكم على النوايا.

فإذا كانت هناك وظيفة حرجة لا يوجد لها بديل مؤهل، وكان شاغلها يقترب من سن التقاعد، أو يمتلك مهارة يشتد الطلب عليها في سوق العمل، فإن ذلك يمثل خطرًا ينبغي التعامل معه.

وفي هذه الحالة، تقع مسؤولية الخلل على المؤسسة التي جعلت استمرارية أعمالها تعتمد على بقاء شخص واحد في وظيفته.

ولا يمكن معالجة جميع المخاطر في الوقت نفسه، لذا ينبغي ترتيب أولويات التعامل معها وفقًا لاحتمالية حدوثها، وحجم تأثيرها، والوقت المتاح لمعالجتها.

فالفجوة التي يمكن سدها خلال أسبوع تختلف تمامًا عن فجوة تتطلب عامين لبناء القدرات والكفاءات اللازمة لمعالجتها.

فجوة واحدة، وسبعة خيارات لمعالجتها

اكتمل تحليل الفجوات، وكشفت النتائج عن الحاجة إلى مهارات جديدة في بعض الوظائف، ونقص في القوى العاملة في بعض المواقع، ووظائف حرجة لا يتوافر لها خلفاء مؤهلون وجاهزون، إلى جانب وظائف سيؤدي تطبيق النظام الجديد إلى انتفاء الحاجة إليها.

اطّلع أحد المديرين على النتائج وقال: «ممتاز، لنبدأ التوظيف».

لم يكن مخطئًا تمامًا، فبعض الفجوات تتطلب بالفعل تعيين موظفين جدد.

لكن المشكلة كانت في افتراض أن جميع الفجوات يمكن معالجتها بالطريقة نفسها.

فجوة في المهارات، وفجوة في التعاقب الوظيفي، وارتفاع موسمي في حجم العمل، وضعف في الإنتاجية؛ جميعها مشكلات مختلفة، ومع ذلك يجري التعامل معها بحل واحد: التوظيف.

يبدو التوظيف خيارًا جذابًا لأنه عملية واضحة المعالم، لها بداية ونهاية محددتان: طلب توظيف، ثم مقابلة، ثم عرض وظيفي، وأخيرًا مباشرة الموظف الجديد لعمله.

أما تطوير الموظفين الحاليين، وإعادة توزيع الأعمال، ومعالجة مشكلات الهيكل التنظيمي، ونقل المعرفة، وتحسين الإنتاجية، فهي خيارات أكثر تعقيدًا.

والسبب أن هذه الخيارات لا تطلب من سوق العمل أن يتغير لتلبية احتياجات المؤسسة، بل تتطلب من المؤسسة نفسها أن تتغير.

بمجرد فهم الفجوة وتحديد طبيعتها، لا يعود السؤال هو: «من الذي ينبغي علينا توظيفه؟» بل يصبح: «ما الخيارات المتاحة لسد هذه الفجوة، وأيها يحقق أفضل توازن بين القدرات والكفاءات، وأعداد الموظفين، والتوقيت، والموقع، والتكلفة، والمخاطر؟»

هناك سبعة خيارات رئيسية لمعالجة فجوات القوى العاملة.

خمسة منها تركز على إدارة المواهب والكفاءات البشرية، وهي: الاستقطاب (Buy)، والتطوير (Build)، والاستعانة بالموارد الخارجية (Borrow)، والاحتفاظ بالكفاءات (Bind)، وإعادة توزيع المواهب (Bounce).

أما الخياران الآخران، فيركزان على إدارة الطلب على القوى العاملة نفسه، وهما: إعادة التوازن (Balance)، والأتمتة (Bot).

ولا تمثل هذه الخيارات خطوات متتابعة يجب اتباعها بترتيب معين، بل هي سبعة منظورات مختلفة ينبغي دراستها والمفاضلة بينها قبل اتخاذ القرار المناسب.

يكون الاستقطاب (Buy) هو الخيار المناسب عندما لا تتوافر القدرات والكفاءات المطلوبة داخل المؤسسة، ولا يمكن تطويرها داخليًا خلال الوقت المتاح. لكن توظيف موظفين جدد في وظائف تعاني من ارتفاع معدلات دوران الموظفين لا يسد الفجوة فعليًا، بل يؤدي إلى استمرار دورة التوظيف والمغادرة بوتيرة أسرع.

أما التطوير (Build)، فيُعد خيارًا أكثر استدامة، ويبدأ بالتركيز على الوظائف الحرجة. لكنه يتطلب شهورًا، وربما سنوات، لتحقيق النتائج المرجوة. ولذلك، فإن أفضل وقت للبدء في تطوير الكفاءات هو قبل أن تصبح الحاجة إليها ملحّة.

وتوفر الاستعانة بالموارد الخارجية (Borrow) مرونة أكبر في تلبية احتياجات المؤسسة، شريطة أن تحدد الخطة بوضوح المعارف والخبرات التي يجب الاحتفاظ بها داخل المؤسسة بعد انتهاء التعاقد مع الجهات الخارجية.

بينما يركز الاحتفاظ بالكفاءات (Bind) على حماية المواهب والخبرات التي لا تستطيع المؤسسة تحمل خسارتها. غير أن تقديم عرض مضاد للموظف بعد تقدمه باستقالته يُعد محاولة للاحتفاظ بالكفاءات جاءت متأخرة.

أما إعادة توزيع المواهب (Bounce)، فتهدف إلى نقل القدرات والكفاءات إلى المواقع والأدوار التي تشتد الحاجة إليها، مع معالجة المشكلات التنظيمية التي ظل الجميع يتجنب مواجهتها.

ويطرح إعادة التوازن (Balance) سؤالًا أساسيًا حول مدى واقعية الحاجة إلى موارد بشرية إضافية، قبل تخصيص الميزانية اللازمة لتلبيتها.

وأخيرًا، تركز الأتمتة (Bot) على تغيير طريقة أداء العمل وإعادة تصميم العمليات، بدلًا من مجرد تسريع تنفيذ إجراءات غير فعالة.

لا يوجد خيار واحد يناسب جميع فجوات القوى العاملة.

فعلى سبيل المثال، إذا كانت المؤسسة بحاجة إلى عشرة متخصصين خلال عامين، فقد يكون الحل الأمثل هو تعيين ثلاثة موظفين جدد، وتطوير أربعة موظفين من داخل المؤسسة، والاستعانة بمستشارين اثنين خلال المرحلة الانتقالية، والاستغناء عن وظيفة واحدة من خلال الأتمتة، إلى جانب وضع خطة للاحتفاظ بالموظفين الذين يمتلكون المعارف والخبرات الأساسية.

يجب أن تُبنى الخطة على النتائج المستهدفة، وليس على الأنشطة والإجراءات.

فالمؤسسة لا تحتاج إلى برنامج تدريبي بحد ذاته، بل تحتاج إلى بناء القدرات والكفاءات المطلوبة. ولا تحتاج إلى مجرد وثيقة للتعاقب الوظيفي، بل إلى وجود خلفاء مؤهلين وجاهزين لتولي المسؤوليات.

كما ينبغي عرض الخيارات والمفاضلات أمام القيادة بشفافية ووضوح: هل الأولوية للحل الأسرع، أم للحل الأكثر استدامة، أم لمزيج متوازن من الخيارات المختلفة؟

فلا توجد خطة يمكن أن تكون الأسرع والأقل تكلفة والأقل مخاطرة في الوقت نفسه.

كان التحليل صحيحًا، لكن لم يتغير شيء

بعد أشهر من العمل، اكتمل إعداد خطة القوى العاملة.

كانت البيانات واضحة، والفجوات محددة، والوظائف الحرجة معروفة، وخيارات المعالجة قد اختيرت بعناية.

عُرضت الخطة، ونوقشت، وخضعت للمراجعة والتعديل، ثم حصلت على الموافقة النهائية.

لكن بعد أسابيع قليلة، أصبحت مجرد ملف محفوظ داخل مجلد يحمل اسمًا يوحي بأهميته.

لم تكن المشكلة في ضعف التحليل، ولم تكن التوصيات خاطئة.

بل كانت المشكلة أبسط من ذلك، وأكثر خطورة بكثير: لم يكن واضحًا من المسؤول عن تنفيذ كل إجراء، وما الذي يتعين عليه القيام به.

افترضت إدارة الموارد البشرية أن الإدارات الأخرى ستتولى التنفيذ، بينما افترضت تلك الإدارات أن مسؤولية الخطة تقع على عاتق الموارد البشرية.

وانتظرت الإدارة المالية تقديم طلبات الميزانية، في حين انتظرت إدارة تقنية المعلومات تحديد المتطلبات اللازمة.

أما المديرون، فواصلوا إدارة الأعمال اليومية كالمعتاد، إلى أن عادت الفجوات نفسها للظهور مجددًا، ولكن هذه المرة في صورة طلبات توظيف عاجلة.

لقد نجحت الخطة في تفسير المشكلة، لكنها لم تُحدث أي تغيير فعلي لمعالجتها.

تستطيع إدارة الموارد البشرية إدارة منهجية التخطيط، وتحليل البيانات، والتنسيق بين الأطراف المعنية، ومتابعة مؤشرات الأداء.

لكنها لا تستطيع بمفردها إعادة تصميم العمليات التشغيلية، أو تعديل مستويات الخدمة، أو تطبيق الأنظمة التقنية، أو تحديد الميزانيات الاستثمارية، أو تطوير موظف لا يتيح له مديره فرصة تطبيق ما تعلمه عمليًا.

ولهذا، يجب أن يكون لكل نتيجة مستهدفة شخص محدد يتحمل مسؤولية تحقيقها.

وليس المقصود الشخص المسؤول عن الاحتفاظ بأحدث نسخة من ملف الخطة، بل الشخص الذي يُساءل عن النتائج إذا لم تتحقق.

وهنا تبرز أهمية مصفوفة تحديد المسؤوليات (RACI)، التي توضح أدوار الأطراف المشاركة في تنفيذ الخطة:

  • المنفّذ (Responsible – R): الشخص أو الجهة المسؤولة عن تنفيذ العمل والمهام المطلوبة.
  • المساءَل عن النتيجة (Accountable – A): الشخص الذي يتحمل المسؤولية النهائية عن تحقيق النتائج واتخاذ القرارات اللازمة.
  • المُستشار (Consulted – C): الشخص أو الجهة التي يجب الرجوع إليها للحصول على الرأي والمشورة قبل اتخاذ القرار أو تنفيذ الإجراء.
  • المُبلَّغ (Informed – I): الشخص أو الجهة التي يجب إطلاعها على القرارات والتطورات والنتائج ذات الصلة.

وغالبًا ما تبدأ إخفاقات التنفيذ عندما تختلط هذه الأدوار وتتداخل المسؤوليات.

فقد تجد خمسة أشخاص يعملون على تنفيذ المهام، دون وجود شخص واحد يتحمل المسؤولية النهائية عن النتائج.

أو قد يُعامل صاحب صلاحية اتخاذ القرار باعتباره مجرد مستشار، فتظل المبادرة معلّقة في انتظار قرار لا يُتخذ.

والمشكلة هنا ليست في غياب الجهود، بل في غموض المسؤوليات وصلاحيات اتخاذ القرار.

بعد ذلك، يجب تقسيم الخطة إلى مسارات عمل تنفيذية واضحة، تشمل التوظيف، وبناء القدرات والكفاءات، والتعاقب الوظيفي، وتطوير الهيكل التنظيمي، وإعادة توزيع الموظفين، والأتمتة، والاحتفاظ بالكفاءات، وتوفير العمالة الموسمية.

ويجب أن يكون لكل مسار عمل مسؤول محدد، وميزانية معتمدة، وجدول زمني واضح، ومتطلبات ومهام مترابطة يعتمد عليها التنفيذ، إلى جانب مؤشرات لقياس النتائج.

ومن الضروري عدم الخلط بين اكتمال تنفيذ النشاط وتحقيق الفائدة المرجوة منه.

فقد ينتهي البرنامج التدريبي دون أن تتحسن جاهزية الموظفين لتولي المسؤوليات المطلوبة.

وقد يبدأ تشغيل نظام تقني جديد دون أن يؤدي ذلك إلى تقليل ساعات العمل اليدوي.

وقد يُعتمد هيكل تنظيمي جديد ويُعلن عنه رسميًا، بينما تظل القرارات تُتخذ وتمر عبر المسارات والإجراءات القديمة نفسها.

يجب متابعة كلٍّ من المؤشرات الاستباقية (Leading Indicators)، التي توضح ما إذا كان التنفيذ يسير في الاتجاه الصحيح، ومؤشرات النتائج (Outcome Indicators)، التي تقيس مدى تحقق الأهداف المرجوة.

كما ينبغي الاحتفاظ بسجل واضح للافتراضات، يتضمن كل افتراض، والمؤشر الذي يؤكد صحته أو يثبت عدم دقته، والشخص المسؤول عن متابعته، والقرار الذي يجب إعادة النظر فيه إذا تغيرت المعطيات المرتبطة به.

فلوحة المعلومات التي لا تؤدي إلى نقاشات مختلفة أو قرارات جديدة ليست أداة إدارية فعالة، بل مجرد واجهة إلكترونية للعرض.

ولا ينبغي انتظار اكتمال جميع البيانات أو الوصول إلى درجة مثالية من الدقة قبل البدء.

يمكن البدء بعائلة وظيفية واحدة ذات أهمية حيوية، أو بموقع تشغيلي يواجه ضغوطًا متزايدة، والاستفادة من البيانات المتاحة، مع توضيح الافتراضات، والتعلم من النتائج.

فالخطة لا تصل إلى مرحلة النضج قبل بدء تنفيذها، بل تنضج وتتطور من خلال التطبيق الفعلي.

بدأنا هذه السلسلة بمكتب شاغر.

وبعد استعراض ست مراحل، اتضح أن ذلك المكتب لم يكن سوى الجزء الظاهر من مشكلة أعمق.

فقد تكون المشكلة استراتيجية لم تُترجم إلى مهارات وكفاءات مطلوبة، أو وظيفة حرجة لا يوجد لها خلف مؤهل، أو عملية تشغيلية ضعيفة جرت محاولة معالجتها بزيادة أعداد الموظفين، أو خطة توقفت عند مرحلة الاعتماد دون أن تنتقل إلى التنفيذ.

إن تخطيط القوى العاملة لا يمنع جميع حالات الاستقالة، ولا يتنبأ بالمستقبل بكل تفاصيله، لكنه يجعل المؤسسة أقل اعتمادًا على الحظ وأكثر قدرة على الاستعداد لما هو قادم.

شارك
Avatar photo
Feras Fahad Aloraedi
المقالات: 5

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Working Hours

  • Mon - Fri 9AM - 8PM
  • Sat - Sun 10AM - 5PM

الشبكات الاجتماعية

تواصل